ابن كثير
50
البداية والنهاية
بهي المنظر كثير العبادة ، عليه سكون ووقار ، باشر إمامة الكلاسة قريبا من أربعين سنة ثم طلب إلى أن يكون خطيبا بدمشق بالجامع من غير سؤال منه ولا طلب ، فباشرها ستة أشهر ونصف أحسن مباشرة ، وكان حسن الصوت طيب النغمة عارفا بصناعة الموسيقى ، مع ديانة وعبادة ، وقد سمع الحديث توفي فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة ، وصلي عليه بالجامع وقد امتلأ بالناس ، ثم صلي عليه بسوق الخيل وحضر نائب السلطنة والأمراء والعامة ، وقد غلقت الأسواق ثم حمل إلى سفح قاسيون رحمه الله . ثم دخلت سنة سبع وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها ، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في قلعة الجبل بمصر ، وفي أوائل المحرم أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الأمير ابن سلار والجاشنكير وامتنع من العلامة ( 1 ) وأغلق القلعة وتحصن فيها ، ولزم الأميران بيوتهما ، واجتمع عليهما جماعة من الأمراء وحوصرت القلعة وجرت خبطة عظيمة ، وغلقت الأسواق ، ثم راسلوا السلطان فتأطدت الأمور وسكنت الشرور على دخن ، وتنافر قلوب . وقوي الأميران أكثر مما كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصلح على دخن . وفي المحرم وقعت الحرب بن التتر وبين أهل كيلان ( 2 ) ، وذلك أن ملك التتر طلب منهم أن يجعلوا في بلادهم طريقا إلى عسكره فامتنعوا من ذلك ، فأرسل ملك التتر خربندا جيشا كثيفا ستين ألفا من المقاتلة ، أربعين ألفا مع قطلوشاه وعشرين ألفا مع جوبان ، فأمهلهم أهل كيلان حتى توسطوا بلادهم ، ثم أرسلوا عليهم خليجا من البحر ورموهم بالنفط فغرق كثير منهم واحترق آخرون ، وقتلوا بأيديهم طائفة كثيرة ، فلم يفلت منهم إلا القليل ، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قطلوشاه ، فاشتد غضب خربندا على أهل كيلان ، ولكنه فرح بقتل قطلوشاه فإنه كان يريد قتل خربندا فكفى أمره عنهم ، ثم قتل بعده بولاي . ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ براق الذي قدم الشام فيما تقدم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالة فقتلوه وأراحوا الناس منه ، وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تستطاع ، وهم أهل سنة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم . وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع القضاة بدر الدين بن جماعة بالشيخ تقي الدين بن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل ، وطال بينهما الكلام ثم تفرقا قبل الصلاة ، والشيخ تقي الدين مصمم على عدم الخروج من السجن ، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين
--> ( 1 ) العلامة : هي ما يكتبه السلطان بخطه على صورة اصطلاحية . وكان لكل سلطان علامة وتوقيع ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 253 ، المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 211 وصبح الأعشى 6 / 314 ) . ( 2 ) كيلان أو جيلان : غربي طبرستان ( معجم البلدان ، وتقويم البلدان لأبي الفداء ص 426 ) .